Your SEO optimized title page contents
الرئيسية / المقهى / غوران سيميك: لتكن كاتبًا منفيًا أو لا تكن مطلقًا

غوران سيميك: لتكن كاتبًا منفيًا أو لا تكن مطلقًا

 

ما زلت لا أفهم لماذا لا يشعر الكندي العادي بالحاجة إلى إدخال مهاجرين جدد بأبسط الطرق, من خلال ازدهار أدب المهاجرين. في المقابل، سيشجع السماح للقادمين الجدد بالتدفق إلى كندا والعيش فيها كما لو أنها بلد مستأجر على إنشاء مجتمعاتهم المحصنة, استنادًا إلى القيم المأخوذة من البلد الذي جاؤوا منه.

ما زلت لا أفهم لماذا لا يشعر الكندي العادي بالحاجة إلى إدخال مهاجرين جدد بأبسط الطرق، من خلال ازدهار أدب المهاجرين. في المقابل، سيشجع السماح للقادمين الجدد بالتدفق إلى كندا والعيش فيها كما لو أنها بلد مستأجر على إنشاء مجتمعاتهم المحصنة، استنادًا إلى القيم المأخوذة من البلد الذي جاؤوا منه.

في كل مرة أنظر فيها إلى نفسي بالمرآة الكندية وأفكر في وضعي بوصفي (كاتبًا منفيًا)، أجد في الحقيقة شيئًا من الارتياح أن مواطنًا من كل خمسة مواطنين في كوكب الأرض يحمل جواز سفر مختلفًا عن بلده الأصلي. لقد مضى ثلاثة عشر عامًا على انضمامي لرابطة فيرجيل للكتاب الذين يتعرفون على بعضهم البعض من خلال لهجاتهم الإنجليزية الغريبة. نتشارك الديانة الفريدة ذاتها، فمعجم اللغة الإنجليزية هو أنجيلنا في المنفى. فضّلت منذ أن جئت إلى كندا منذ ثلاثة عشر عامًا الأمن البدني على الكتابة بوضع منعدم الأمن. وبفضل القدرة البشرية على نسيان التاريخ الحديث بالسرعة ذاتها التي تساقطت فيها ثلوج العام الماضي، عرفت حينما عبرت الحدود إلى كندا أنني سأكون قادرًا بواسطة الأدب والذاكرة فحسب على الحفاظ على تاريخي الشخصي.

من يتذكر الآن انهيار ذلك البلد الأوربي في يوغسلافيا في السنوات الأخيرة من القرن الماضي، البلد الذي ولدت فيه منذ 55عامًا، والبلد الذي لم يعد موجودًا على أية خريطة؟ كم من الناس يمكنهم تذكر الحرب البوسنية الدموية (1992-1995)، التي قضت على حياة نحو مائتي ألف نسمة، قبل أن تنتهي بالتعادل، وكأنها لم تكن سوى مباراة كرة قدم رديئة؟ بعد الأخبار اليومية أو الرعب اليومي عن بغداد وغزة، كم من مشاهدي التلفاز يمكنهم تذكر الحصار الذي استمر لثلاث سنوات من القرون الوسطى لسراييفو، والتي انتهت قبل أن يطرق القرن الحادي والعشرين بابنا بخمس سنوات فقط؟ لقد كنت هناك, وشهدت لثلاث سنوات الحصة اليومية من الموت والدمار والجوع والإذلال. كان كل ما بقي ورائي في اليوم الذي غادرت فيه سراييفو مع أطفالي، أنقاض منزل أسرتي ومكتبي المنهوب وقبور ما تزال نديّة. كان أغلى ما حملته معي كتبي التي نشرت في البوسنة، والتي هي ذات قيمة بالنسبة لي فقط، وذكرياتي الثمينة. عطفًا على ذلك، انضممت مع حقيبتي التي تحتوي صورًا من الماضي السعيد وأملًا بمستقبل مشرق، إلى صفوف هؤلاء الكتاب المنفيين وحملت معهم ذات العبء الناجم عن أهوال راوندا أو أثيوبيا أو بورما. اشتركنا بأمر واحد على الأقل، وهو فشلنا في اكتشاف بلد بحاجة إلى كتاب بالطريقة ذاتها التي تبحث فيها البلدان عن بنائي الطوب أو عمال السكك الحديدية. نحن الكتاب غريبون للغاية، وطوعت كتابتنا للاحتفال بالفروق البسيطة بدلًا من الأمور الواضحة. لم تكن الحقيقة رفيقًا لطيفًا أبدًا لأولئك الذين يعتقدون أن التاريخ يفتح صفحة جديدة مع كل انتخابات. من هنا بدأت التفكير في كل بلد فريد يمكنه أن يفتح ذراعيه للكتّاب أولًا، قبل بنّائي الطوب وعمال السكك الحديدية. يمكننا أن نقدم الكثير: المعارضة الصحية والذاكرة التاريخية والمشاركة والخبرة وإماطة الحواجز الفكرية.

لم ألحظ الكثير من الاحترام لنوعية مهنتي في كندا. كان الحائط الأول الذي اصطدمت به هو حقيقة أن كتبي التي نشرت في العديد من اللغات المختلفة، لم تحظ بأي تقدير إذ أنها لم تكن قد ترجمت إلى اللغة الإنجليزية. في ذلك الوقت لم تكن لغتي الإنجليزية أفضل من لغة طفل كندي في الخامسة من عمره. لا يوجد مؤسسات تمول الترجمات من غير اللغة الفرنسية، بما في ذلك القنصلية الكندية. هربت من البوسنة التي مزقتها الحرب وقسمتها إلى حدود وطنية بين (نحن) و (هم)، فقط لأواجه المزيد من الانقسام هنا. ما زلت لا أفهم لماذا لا يشعر الكندي العادي بالحاجة إلى إدخال مهاجرين جدد بأبسط الطرق، من خلال ازدهار أدب المهاجرين. في المقابل، سيشجع السماح للقادمين الجدد بالتدفق إلى كندا والعيش فيها كما لو أنها بلد مستأجر على إنشاء مجتمعاتهم المحصنة، استنادًا إلى القيم المأخوذة من البلد الذي جاؤوا منه.

استغرق بروزي ككاتب في كندا عدة سنوات. لم أتذمّر, وما زلت. علمتني ثلاث سنوات من الحصار في سراييفو أنني يجب أن أعتبر نفسي محظوظًا لرؤية أطفالي يكبرون بسعادة في تورنتو، بدلًا من أن يزوروا قبري. الحقيقة أن بقائي على قيد الحياة لا يجعلني أشعر أنني أفضل حالًا من أولئك الذين لم يتسنّ لهم ذلك. لا أعتبر تاريخي الشخصي الحديث مليئًا بأي خيبة أمل وألم وفشل أكثر من أن المواطن الكندي لم يتعافَ من موت قطته. ولكن منفعتي كانت أن الأدب لا يقال إن لم يكن ثمة ألم أو اعتراف بهذا الألم الذي يتحشرج في الضمير.

عملت حينها كعامل يدوي بسيط لعامين في متاجر (هولت رينفرو) بجانب المطار، كنت أختبئ عن زملائي وأمارس الكتابة. جزء من ذلك يعود إلى أن بعضهم أميون، وجزء منه أن بعضهم عانى من مآسي أكبر بكثير مما عانيته. لكن في استراحة الغداء، أخرج إلى خارج المتجر اللعين وأشاهد هبوط الطائرات التي تحمل مهاجرين جدد بآمال وتوقعات جديدة، وتخيلت قصصًا عنهم. كان مؤلمًا في بعض الأحيان أن استخدم عضلات الشاعر المستأجرة خلال النهار، والتحول إلى شيء آخر مختلف عند نهاية مناوبتي. إحدى المرات، بعد أن أمضيت عشرة أيام في العمل، أحضرت لزملائي علبة شوكولاته بلجيكية، ولم يكن يتوقع أي منهم أنني سأقرأ وتوقيع بعض النسخ من مختارات قصائدي التي نشرت مؤخرًا في هولندا. نشرت لاحقًا مقالًا في صحيفة (ذا غلوب آند ميل)، انتقدت فيه ظروف العمل في المتجر، كان ذلك بداية نهاية رحلتي الطويلة في الطبقة العاملة. اشتبه الرؤساء والمديرون بحقيقة دوافعي لتأجير جهدي مقابل المال الذي كان بالكاد يغطي نفقاتي الشهرية. سرعان ما استقلت وانضممت إلى رابطة فيرجيل التي أنتمي إليها.

أعتقد أن الشعراء يجب أن يشركوا كشهود على العصر، بالطريقة التي كان عليها برتولت بريخت أو آنا أخماتوفا. ” في الأوقات الحالكة، هل سيكون ثمة غناء؟ أجل، سيكون ثمة من يغني عن تلك الأوقات الحالكة!!. ب.بريخت”. لا شيء لدي عن صور الطبيعة التي قد يجدها المرء في روايات الخيال العلمي. لا شيء لدي عن الفراشات المتطايرة بين أبيات الشعر. لكن كان إيماني دائمًا التعامل مع النفس البشرية، مع الأشخاص العاديين والحالات التي أراها كل يوم في طريقي إلى مكتبي. لقد شهدت رعب الحرب، ورأيت حزن المهاجرين. وأصبح كل ذلك وشمًا عميقًا في شعري. إذا ما تعرف قارئ في المستقبل بأبياتي على الميزات الدقيقة لزمني الذي عشت فيه، وإذا ما جعله الجمال الشعري يفكر ويعشق، سأعتبر أنني قد أنجزت مهمتي في الكتابة. لكنني ما زلت بعيدًا عن هذه المرحلة.

 

المصدر