Your SEO optimized title page contents
الرئيسية / المقهى / أودن:كيف تكون قارئًا جيدًا

أودن:كيف تكون قارئًا جيدًا

“سيحظى الكاتب حتماً بشعبية واسعة فقط في حال توزّع الخيال والذكاء بالتساوي بين كل البشر”

ماريا بوبوفا

“قبل أن يكون الكُتّاب كُتّابًا هم أيضاً قرّاء، يعيشون بين الكتب، ومن خلالها يعيشون حيوات الآخرين، الذين يُعتبرون قدوة لغيرهم، كل ذلك في فعل عاطفي ومتفرد جدًا.”

 لاحظت ربيكا سولنت في تأملها الجميل لماذا نقرأ ونكتب.  “في اللحظة التي يتّحد فيها الخيال والتّمكن لدينا نبلغ الذروة”

 أكّد هيرمان هيسه على ثلاثة أساليب للقراءة “نحن لا نقرأ ما هو مطبوعٌ على الورق ولكنّا نُبحر في تيار من المثيرات والإيحاءات التي تصلنا من خلال قراءتنا.” كلٌّ من الكاتب والقارئ يحمل هذه الشراكة المتبادلة مع كل صفحةٍ كأكبر مكافأةٍ لكلٍ منهما وهذه المكافأة لن تتحقّق إلا بأقصى قدرٍ من المهارة والتفاني.

مكافآت القراءة والكتابة المختلفة والمتناغمة معًا، والمهارات المختلفة المطلوبة لكل منهما، هو ما اختبره ويستن هيو أودن في الفترة ما بين (٢١ فبراير ١٩٠٧-٢٩سبتمبر ١٩٧٣) في كتابه The Dyer’s Hand and Other Essays (public library).  وعلى الرغم من أنه لا يزال واحدًا من أكثر الشعراء شعبيةً ومحبةً وتأثيراً في القرن الماضي إلا أنه في هذه الشذرات التي تمّ جمعها بعد وفاته، أسهب في الحديث عن قيمه، وأفكاره حول الأدب والفن وعملية الإبداع لديه.

وفي رأي حاسم وبقناعة تامة أكثر حتى من المعايير العشرة للقارئ الجيد لدى نابوكوف، يعتبر أودن القراءة فناً قائماً بذاته:

اهتمامات الكاتب واهتمامات قرائه متباينة لا تتشابه، وإن حدث وتوافقت معاً، فإنها تعد  صدفةً سعيدةً. لا يشترك اثنان في تجاربهما الشخصية.  لذا أن تقرأ يعني أن تترجم.   القارئ السيئ كمترجم سيئ، يترجم حرفيًا ما يجب أن يتمّ إعادة صياغته ويعيد صياغة ما يجب أن يترجم حرفيًا.  مع أن تعلّم القراءة بشكل جيد وعلى أسس علمية أمر مفيد، إلا أن هذا التعلم أقل أهمية من الموهبة.  وهو ما يظهر جليًا لدى بعض المترجمين المتفوقين أكاديميًا ومع ذلك مستواهم ضعيف.

 قدّم تولستوي قائمة القراءة الوصفية لكل مرحلة من مراحل الحياة، والتي اعتبرها أودِن التطوّر الأساسي لذائقتنا القرائية مدى الحياة:

فالذائقة الجيدة للقراءة مسألة انتقاء أكثر بكثير من كونها مسألة استبعاد، وصاحب الذائقة الجيدة عندما يشعر بأنه مضطّر للاستبعاد فإنه أمر مؤسف له، ولا يعد جزءًا من متعة القراءة.  في الفترة ما بين سن العشرين والأربعين بينما نحن متورطون في عملية اكتشاف ذواتنا، التي تشمل تعلم الفرق بين العادات المكتسبة التي يمكن التعامل معها ومن واجبنا السيطرة عليه، وتلك التي نجد أنفسنا عليها ولا يمكن تخطيها أو الفكاك منها.  عدد قليل منا يمكنهم تعلم هذا دون ارتكاب الأخطاء، ودون محاولة أن يكونوا بشرًا كاملين إلى  الحد المسموح لهم به. 

 وخلال هذه الفترة يمكن للكاتب أن يُضلل بسهولة من قِبل كاتب آخر أو أن يبتعد عن الصواب بسبب شيء من الأيديولوجية عندما يقول شخص ما بين العشرين والأربعين: عن عمل فني “أنا أعرف ما أحبّ” فإنه يعني حقاً: “لا أملك ذائقة خاصة بي لكنني أتقبّل ذائقة بيئتي الثقافية” لأنه بين العشرين والأربعين، التردد يكون هو أقوى مؤشر بأن الشخص له ذائقته الخاصة.  بعد الأربعين، إذا لم يفقد كل منا ذاته الحقيقية، سنشعر بالسرور مجدداً كما كنا أطفالاً، وهنا تجب القراءة لتجنب ذلك. 

التحدّيات التي تواجه القارئ موازية في نواحٍ كثيرة لتلك التي تواجه الكاتب، خاصة تلك المتعلقة بالقسوة والصرامة مع النص. وكثيرًا ما يتردد وفي كل مكان الإجابة ذاتها عن ذات السؤال الذي يثير الحنق لماذا تكتب ولمن تكتب. أودن قدّم أجمل إجابة صادفتها، تطيح بك أرضًا وتحلّق بك عاليًا في اللحظة نفسها:

الكاتب.. هو دائماً ما يُسأل من الأشخاص الذين يُفترض أنهم يعرفوه جيدًا: (لأجل من تكتب؟) السؤال سخيف بالطبع، لكنه بذلك يمنحه فرصة أن يجيب عليه إجابة سخيفة.  أحياناً أقرأ كتابًا أشعر أنه كُتِب خصيصًا لي، ولي فقط. مثل عاشق غيور، لا أودّ أن يسمع به أو يعرفه أحد.  لهذا أن يكون لك مليون قارئ، وغير مدركين لوجود بعضهم بعضًا، ويقرؤونك بشغف، ولا يتحدّثون عما يقرؤون، هذا بالطبع حلم من أحلام اليقظة لكلّ مؤلف. 

وفي مقالٍ آخر من الكتاب، يعيد النظر في الموضوع نفسه من زاويةٍ مختلفة. وبالنظر للمفاهيم الخاطئة الخارجية والأوهام الذاتية حول السبب الذي يدفع الكُتّاب للكتابة، وهو السؤال الذي حصل على إجابات خالدة من بابلو نيرودا، وجوان ديدون، وديفيد فوستر والاس، وإيتالو كالفينو، ووليام فولكنر، يعرض أودن:

تمامًا كأي إنسان جيد ينسى عمله عند الانتهاء منه، ينسى الكاتب الحقيقي عمله بمجرد الانتهاء منه ويبدأ بالتفكير في عمله القادم؛ لأنه إن بدأ بالتفكير في عمله السابق سيكون أكثر عرضة لتذكّر أخطائه ونسيان إنجازاته.  أما الشهرة فإنها غالبًا ما تجعل الكاتب مغرورًا، ولكنها نادرًا ما تجعله فخورًا بنفسه. 

كل كاتب يفضّل الغِنى والثراء على الفقر، ولكن لا يوجد كاتب حقيقيّ يهتم بأن يحظى بشعبية. فهو يحتاج إلى قبول الآخرين لعمله من أجل أن يطمئن إلى أن رؤيته للحياة التي يؤمن بها حقيقية وليست ذاتية وهمية، ولكنه لن يطمئن إلا لمن يحترم رأيهم.  سيحظى الكاتب حتمًا بشعبية واسعة فقط في حال توزّع الخيال والذكاء بالتساوي بين كل البشر. 

ثم يتجه الكاتب للعمل داخل عملية الإبداع وسحر الإلهام.  بخلاف تشايكوفسكي الذي رسم خطًا فاصلًا بين التكليف والعمل الإبداعي الذاتي، يجادله أودن بأن كل عمل إبداعي يأتي بمعنى التكليف وليس من قبل الآخرين بل من الوحي، أو بما تدعوه أورسولا كي لو جوين: “صنيع الروح” ويكتب أودن:

جميع الأعمال الفنية يتم تكليف الفنان بها ولكن لا يوجد فنان يمكنه أن يخلق عملاً بواسطة الإرادة التي تُملى عليه فقط بل عليه أن ينتظر قدوم” الفكرة الجيّدة ليعمل عليها.  وبالرغم من ذلك فإن دور الوحي سيكون قابلاً للتأثر بالنقد وهو ما يرجع لطبيعة البشر.

 يقول دانيال كانيمان، عالم النفس الحائز على جائزة نوبل، في استكشاف كيف تضلّلنا عقولنا: “إن ثقة الناس في معتقداتهم ليست مقياساً لجودة البراهين والأدلة، ولكن تماسك القصة هو ما يمكّن العقل من بنائها”. وعلى نفس المنوال، الدرجة التي ينتعش بها الإلهام لا ينبغي أن تكون مؤشرًا على قيمة الفن الذي تنتجه.

أودن أيضاً يوضّح هذا بطريقة فكاهية وراقية:

إن درجة الإثارة التي يشعر بها الكاتب خلال عملية التأليف هي مؤشر على قيمة وأهمية النتيجة النهائية، مثل الإثارة التي يشعر بها العابد وهي إشارة على مدى ولائه الداخلي لمعتقداته، ومع أنها قليلة جدًا لكنها إشارة!

ولكن مهمة تقييم قيمة عمل الفرد مهمة عظيمة. في مقطع عالق في الذهن كتبت سوزان سونتاغ أفكارًا عن أن لكل كاتب أربع شخصيات، وهناك رؤية آدم فيليبس للطبيعة المتناقضة للنقد الذاتي،يقدّم أودن وصفته للنقد الذاتي الإبداعي الفعّال:

على الشاعر ألا يتجاوز الحد الأدنى من الأخطاء، ويكون ذلك بعرض عمله على الرقيب الداخلي لديه أثناء تقدمه في عمله.  الرقابة أو الرقيب الداخلي هنا يجب أن يشمل على سبيل المثال، طفلًا حساسًا فقط، وربة منزل عملية، وعالمًا، وراهبًا، وشخصًا بغيضًا، بل وربما شخصًا مكروهًا من الآخرين وأؤلئك لا يكفّون عن الكراهية، ورقيبًا صارمًا وقاسيًا، ومدربًا عسكرياً بذيء اللسان يحفظ كل الألفاظ البذيئة في الشعر.

إن القدرة على توظيف هذه الرقابة تتطلب بطبيعة الحال درجة عالية من الأمانة والصدق.  وهو ما فعله أندريه جيد الحائز على جائزة نوبل قبل قرن من الزمان، وهو ما كان ألدوس هكسلي يعتقد أنه تسبب في أبرز قلق فني.

يسخر أودن، ثم يتحوّل للحديث بصدق وأمانة:

الصدق أمر طبيعي، مثل النوم، هكذا يُفترض بالفرد أن يكون صادقًا من المرة الأولى التي يجيب فيها عن أي سؤال، لا أن يفكر بالمراوغة في الإجابات. الصدق بالمعنى الصحيح للكلمة يعني المصداقية والحقيقة، وهو ما يجب أن يكون الشغل الشاغل للكاتب.  ولا يوجد كاتب يستطيع الحكم على جودة عمله إن كان جيدًا أم لا، ولكنه دائمًا يستطيع أن يعرف إن كان عمله صادقًا أو مزورًا. 

ويضيف أودن:

يخلط بعض الكتّاب بين مفهوم الحقيقة التي يجب عليهم السعي لتحقيقها، وبين مفهوم الأصالة التي يجب عليهم عدم الاهتمام بها مطلقًا.

المصدر: تكوين